نخبة من الأكاديميين
285
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
أننا لا يمكن أن نقلب هذا الحكم تمامًا لتقديم عكسه ؛ ذلك لأن التاريخ الداخلي للإمبراطورية لم يُلق عليه الضوء الكافي لكشف الحجاب عن كثير من الأوضاع حيث إن مجال دراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي العثماني يعد متأخرًا ، ناهيك عن أن التاريخ العثماني برمته هو أكثر مراحل التاريخ الإسلامي التي لم تلقَ العناية والدراسة الكافيتين . التوازنات الأوروبية على القارة الأوروبية وحول البحار والمحيطات : سبقت الإشارة وبقدر من التفصيل إلى نمط " الانتقال من التوظيف العثماني للتوازنات لدفع الفتوح إلى الأمام " ثم " التوظيف لها للدفاع عن استرداد أراض عثمانية " ، ويكفي هنا تلخيص أهم سمات هذه التوازنات التي ساعدت على إفراز هذا النمط وهي تنقسم إلى سمتين : السمة الأولى : محاولة تجميع الصفوف المسيحية في مواجهة الأتراك العثمانيين على أساس الحاجة " للعمل لطرد الكفار من الديار المسيحية وتسوية جميع الخلافات العالقة ؛ وحتى يتوفر المجال لممارسة قوتهم وقدرتهم ضد الكفار وإنقاذ الدم المسيحي الذي كان ضحية ترددهم وزيفهم عبر القرون الأخيرة " « 1 » . والسمة الثانية : تنافس الدول الأوروبية وصراعها من أجل الهيمنة على القارة الأوروبية ومن ذلك كانت الحروب الاستعمارية . وقد أضحى هذا التنافس الضمان الأساسي لسلامة الأراضي العثمانية في أوروبا وخارجها ، أيضًا خلال القرن الثامن عشر م ؛ بل أضحى هذا التنافس بعد ذلك خلال القرن التاسع عشر م مهددًا للسلام في أوروبا ذاتها « 2 » . بعبارة أخرى ، إذا كانت فورة معاهدات الامتيازات خلال القرن الثامن عشر م تعبيرًا واضحًا عن تغير موازين القوى السياسية والعسكرية ، وعن تزايد اندماج الدولة العلية في نظام التحالفات الأوروبية ، إلا أن الصراع بين القوى الأوروبية للهيمنة على القارة وعلى المستعمرات كان من أهم العوامل ذات الآثار الموازية التي ساعدت على بقاء الإمبراطورية لفترة طويلة . ولم تكن التوازنات على القارة تنفصل عن نظائرها خارجها وهي التي حكمت اتجاهات الحركة الاستعمارية الأوروبية ، إذ أدى نمط التوسع الأوروبي في هذه المرحلة - والذي أعلى من قيمة التجارة والمستعمرات - إلى إبراز نمط من العلاقات الأوروبية مع الدول الإسلامية ، ونمط من العلاقات الأوروبية - العثمانية حول هذه الدول اختلف عما ساد من قبل وعما برز بعد ذلك في القرنين التاسع عشر والعشرين م أي الاستعمار المباشر . خلاصة القول : إن هذا النمط من التفاعل بين متغيرات عثمانية ( داخلية ) وأخرى أوروبية ( خارجية ) يفسر التحولات في وزن الدور العثماني العالمي ، وإذا كان ثمة أطر نظرية وفكرية ( إستشراقية
--> ( 1 ) د . مجيد خدوري : مرجع سابق ، ص ص 372 368 وأنظر أيضاً تفاصيل الرؤية الأوروبية عن الإسلام في القرنين 17 م و 18 م والتي تشكلت برؤية أوروبا للأتراك العثمانيين في : - Norman Daniel : Islam , Europe and Empire . The University Press , Edinburgh 1966 . PP 3 39 . - ، Islam and the Tdentity of Europe ( 2 ) T . Naff : op . cit . PP 103 104 .